مقالات وبحوث

الثلاثاء, 04 أيلول/سبتمبر 2018 10:21

هكذا تخطط ملبورن للثورة الصناعية بثلاث طرق مميز

abcdefgh

منطقة الأعمال المركزية في ملبورن تستعد للمستقبل

حقوق نشر الصورة: موقع انسبلاش/ ارنواد ميسوريور

13 اغسطس 2018

ساندر فان أميلسفورت

مدير قسم السياسات والبحوث في لجنة ملبورن

مارتن لتس

المدير التنفيذي في لجنة ملبورن   

«المدن تجذب الطاقات البشرية .. تحفز الابتكار وذلك بتسهيل التفاعل وجها لوجه، وتجذب المواهب وتشحذها عن طريق المنافسة، المدن تشجع روح المبادرة وتمهد للحراك الاجتماعي والاقتصادي.» إدوارد جلاسير

في كتابه الاكثر مبيعا لعام 2011 «انتصار المدينة»، طرح إدوارد جلاسير قضية قاطعة الا وهي ان المدن تجذب الطاقات البشرية وان المدن تستطيع جعلنا «اغنى، أذكى، واكثر عناية بالبيئة وأكثر صحة وسعادة.» هذا هو السبب خلف ان اتجاها عالميا بارزا في القرنين الماضيين كالتحضر يواصل وتيرة جذب الاهتمام.

سعى الإنسان الى إنشاء المدن منذ لآلاف السنين، لكن الثورة الصناعية الأولى -قبل حوالي 200 سنة فقط- شهدت تسارعا في التحضر.   في عام 1800، 2% فقط من سكان العالم كانوا يقطنون المدن. وتجاوز عدد الذين يسكنون المدن عالميا نسبة 30% بحلول الثورة الصناعية الثالثة في الستينيات. وسوف نشهد تضاعفا لهذه النسبة الى ما يزيد عن 60% بحلول عام 2030 حيث ينمو عدد سكان المدن اليوم بمعدل 60  مليون نسمة في كل عام.

المدن باعتبارها محرك الإنتاج في العالم لا تقوم بجذب الناس فحسب، وانما تقوم باستقطاب وإنتاج ما يعادل 80% من الناتج المحلي الإجمالي في العالم -تشكل براءات الاختراع النسبة العظمى منها- اضافة الى مساهمتها المتزايدة في تشكيل السياسات الوطنية والعلاقات الدولية.  اننا نعيش الان في «قرن المدن الكبرى» حيث تحتل المدن الصدارة في الثورة الصناعية الرابعة، والتي من شأنها احداث تغيير عميق على نمط حياتنا وعملنا وطرق إنجاز الأعمال التجارية تماما كما حدث في الثورة الصناعية السابقة.   كيف تستعد المدن لهذا المستقبل المُتغيِر؟

«كذب المنجمون ولو صدقوا»

لا يوجد ما هو اكثر دقة من هذه المقولة العربية القديمة. ان ظهور التكنولوجيا الحديثة اليوم عمل على تغيير العوالم المادية والرقمية والبيولوجية على نحو متزايد، فمجموع المخرجات عمليا غير محدود ويستحيل توقعها.  لا توجد مؤسسة او قطاع في منأى عن التأثر بما تولده هذه التغيرات السريعة والمعقدة.  إن الخلل الرقمي -في عالم الأعمال - كفيل بوضع العديد من مدراء الشركات في حالة تأهب قصوى.  ان الشعور بعدم القدرة على التنبوء بالتوقيت والجهة التي يباغت منها هجوم حقيقي على الأعمال التجارية -او على قطاع بأكمله- عمل على خلق مستوى قلق غير مسبوق بالكلية.

وبالمثل فإن قادة المدن حول العالم يواجهون غموضا غير مسبوق فيما يتعلق بوضع خطط طويلة الأمد التي من شأنها ضمان استمرارية مدنهم بتوفير الفرص التي «تجذب القوى البشرية». ان التخطيط لسنتين فيه من الصعوبات ما يكفي- ناهيك عما اذا كانت قراراتك ذات ابعاد لعقود متعاقبة- فإن التحدي سوف يتعاظم الى حد كبير. ما هي أنواع الوظائف التي سوف ينتجها اقتصادنا؟ كيف يمكن لشعبنا وبضائعنا التنقل حول المدن؟ وكيف سنقوم بتزويد المقيمين لدينا بالخدمات الصحية والتعليم والتثقيفية وبإيجاز كيف ستغير الثورة الصناعية الرابعة الطريقة التي نعيش ونعمل ونستثمر وننجز الاعمال بها؟ وبالمقابل ما هي الفرص بالنسبة لنا لنبني مستقبلنا بشكل استباقي؟

فرقة العمل المتخصصة بالمدى الطويل في ملبورن

آخذة بعين الاعتبار هذه الأسئلة، قامت لجنة ملبورن بإطلاق «ملبورن 4.0 تاسك فورس». تأسست لجنة ملبورن عام في الثمانينيات على ايدي مجموعة شغوفة من رجال الأعمال المحليين، وتشكلت بهدف تشجيع الاقتصاد والمساعدة في تثبيت مكانة ملبورن كمدينة ذات اهمية دولية. بعد ثلاثين عاما قامت اللجنة بتغير سياستها لتصبح مؤسسة غير ربحية وطبيعة الاعضاء لتضم اكثر من 140 مؤسسة رائدة في الاعمال والتعليم ومؤسسات المجتمع، بهدف رسم مستقبل افضل للمدينة.

نهج اللجنة المتعددة القطاعات الرامي الى التنمية طويلة الأجل للمدينة لطالما شكل نقطة قوتها الفريدة. وهذا النهج اكثر تبلورا اليوم من اي وقت مضى ويعكس صدى كلمات مؤسس المنتدى البروفيسور كلاوس شواب حينما وصف كيف يجب على العالم الاستجابة لتحديات وفرص الثورة الصناعية الرابعة: «نحن لا نعلم حتى الان الكيفية التي سوف تظهر بها الثورة الصناعية الرابعة، ولكن هناك امر واحد جلي: وهو ان الاستجابة لها يجب ان تكون شاملة ومتكاملة، وان تضم جميع الجهات المعنية  في النظام السياسي العالمي من القطاعين العام والخاص والاوساط الاكاديمية والمجتمع المدني.»

اشتراك الجهات المعنية في اجراء حوار شامل امر في غاية الأهمية. ولكن كيف يمكن بلورة الغموض المتأصل في مسألة التخطيط للمستقبل وكيف يمكن التعامل معه ؟ سيناريو التخطيط

انشاء هيكل في ظل الغموض

تعد «رويال دتش شيل» رائد «سيناريو التخطيط» في عالم الشركات. وطوّر للمرة الاولى على يد القوات الجوية الأمريكية عقب الحرب العالمية الثانية كوسيلة للتخطيط العسكري.  كنتيجة لذلك نجحت الشركة بشكل مذهل في توجيه اسواق النفظ المتقلبة جدا في السبعينيات .

سيناريو التخطيط ليس محاولة لتوقع المستقبل ولا يحاول بلورة رؤى او مستقبل مرغوبا فيه. بدلا من ذلك فإنه يستفيد من الغموض في البيئة الخارجية -والذي يخضع لتأثير طفيف او لا يتأثر على الاطلاق بالمدينة او سوق العمل- لكنه بشكل اساسي يحدد البيئة التي يجب العمل والمنافسة فيها.  وهذه السيناريوهات لا تنتج وصفا واحدا للمستقبل فحسب، ولكنها تقدم عدة تصورات معقولة ومحتملة للمستقبل والتي من شأنها إزالة الغموض من جميع الزوايا «الساحة». وبالتالي فإن ذلك يدفعك الى التوظيف الفعال للادراك الواعي واللاوعي وتجنبك الاصابة بالمفاجأة.

هذه المنهجية مناسبة بشكل استثنائي وذلك لانها تشمل مجموعة كبيرة من الجهات المعنية واصحاب المصالح. من خلال ورش عمل ومقابلات ومجتمع الانترنت والتي استمرت لمدة ستة اشهر فإن فريق عمل «ملبورن 4.0 تاسك فورس» استشرف مستقبل مدينة ملبورن في اطار التغييرات الجيوسياسية والتكنولوجية المتسارعة. من خلال هذه العملية قام الفريق بالاشتراك في وضع مجموعة سيناريوهات متباينة ومحفوفة بالتحدي تشمل مجموعة من التوقعات حول مستقبل ملبورن في عام 2030.

بالرغم من ان هذه السيناريوهات متباينة، الا انها تتناغم جوهريا في سعيها الى تكوين تصور لمستقبل ملبورن. والنتيجة الرئيسية ان «سوق العمل التقليدي» لن يشق طريقه الى المستقبل، وبدون احداث تغييرات واصلاحات جذرية فإن اقتصاد ملبورن سوف يواجه تحديات كبيرة تشمل ما يلي:

رأس المال البشري: ستخضع القدرة المؤسسات على تنشئة وجذب والحفاظ على المواهب في ملبورن لضغط متزايد.

خلل رقمي: سوف تشهد العديد من المؤسسات فضلا عن قطاعات بأكملها إعادة هيكلة ضخمة.

عدم المساواة: تسير ملبورن الكبرى الى خطر الفجوة المكانية، حيث قلب المدينة الميسور الحال في مقابل ضواحي ملبورن التي تفتقر الى بنية تحتية ملائمة وفرص عمل وخدمات ووسائل الراحة.   وهذه المشكلة سوف تتضخم بفعل الخطر الحقيقي  للفجوة الرقمية.

الجهات الإدارية: تتكون ملبورن الكبرى من 32 مجلسا بموارد وامكانيات متباينة الى حد كبير وترتيبات الادارة الحالية لا تتلائم مع اهداف عام 2030.

« اذا اردنا للامور ان تبقى على ما هو عليه، هناك اشياء يجب ان تتغير.»

في روايته الكلاسيكية «النمر» في عام 1958 يروي جوزيبي توماسي دي لامبيدوزا التغيرات التي حدثت في المجتمع الصقلي خلال توحيد إيطاليا في القرن التاسع عشر. هذه الكلمات الشهيرة التي عبرت بها الشخصية المحورية في الكتاب - الامير ساليناس- توضح تحديات الاصلاح والحاجة الى تغيير النظام القائم- بما في ذلك مكانته القديمة المميزة- لاجل مصلحة جيل ايطاليا القادم.

ان اثار الثورة الصناعية الرابعة سوف تكون اهميتها اكبر بكثير من «الوحدة الايطالية». كتب لاوس شواب في يناير 2016:

«لم يكن هناك زمن واعدا اكثر، ولا زمنا محفوفا بالمخاطر المحتملة اكثر من هذا الزمن.  ومع ذلك تجد صناع القرار اليوم عالقون في نمط التفكير التقليدي في كثير من الاحيان، او مستغرقون بالتفكير بعدة ازمات تستولي على اهتمامهم، مما يصرفهم عن التفكير الاستراتيجي في قوة الخلل والابتكار الذي يرسم ملامح المستقبل.»

ان الخطر الكبير بالنسبة لملبورن - «المدينة الاكثر ملائمة للعيش في العالم» لسبع سنوات على التوالي- هو الرضا عن النفس. لذا فإن سيناريو التخطيط هنا يكون فعال للغاية. من خلال اكتشاف عدة احتمالات لما سوف يكون عليه المستقبل، استطاع الفريق التوصل الى تسع حاجات استراتيجية يلزم تطبيقها اليوم لكي ترسم مستقبلا واعدا ومزدهرا لمدينة ملبورن بغض النظر عن الحال الذي يكون عليه المستقبل. ما هي المقترحات المقدمة؟

iklmno

«السبب في أننا نعيش في مدن اليوم لا يختلف عما كان عليه السبب قبل 10,000 سنة»

اشار كارلو راتي الى ملاحظة ذكية وهي ان توحيد الناس معا لطالما شكل سبب جاذبية المدن. يمكن تقسيم الحاجات الاستراتيجية التسع التي حددها فريق «ملبورن 4.0 تاسك فورس» الى ثلاث عناصر رئيسية - والتي عملت بشكل فعال على توحيد سكان المدن معا ومنحت المدن نجاحا مستمرا:

1 الشعب

المدينة تضع مواطنيها في صميم عملية صنع القرار « تمهد للحراك الاجتماعي والاقتصادي" كما يقول إدوارد جلاسير.

2 التواصل

المدينة التي تسهل تفاعلا كفؤا وفاعلا في جميع المستويات داخل المدينة نفسها ومع العالم الخارجي.

3 الإدارة

فعالية المعايير والعمليات المؤسسية والنظم والممارسات التي تدير المدن.

هذه العناصر لا تتغير على عكس السياق والبيئة الذي تطبق فيه.  إبان إرهاصات الثورة الصناعية الرابعة يجب علينا ضمان استمرارية تقدم وتطور مدينتنا في ظل البيئة المتغيرة.

ما هو مؤكد ان المستقبل سيُفرض علينا إذا لم  نتجهز له . المدن القادرة على التخطيط والتنفيذ الاستراتيجي لجذب خليط من الناس والتواصل والادارة ستكون هي المدن ذاتها القادرة على استجلاب تطلعات عظيمة في ظل بيئتنا المتغيرة. هنا في ملبورن، مع مشروعنا «ملبورن 4.0» نعتقد اننا احرزنا بداية جيدة.

_______________________________

كتبها

ساندر فان أميلسفورت مدير قسم السياسات والبحوث في لجنة ملبورن

مارتين لتس المدير التنفيذي في لجنة ملبورن

جميع الاراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب فقط ولا تعبر عن رأي المنتدى الاقتصادي العالمي.

قراءة 430 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 04 أيلول/سبتمبر 2018 11:29
منتدى أسبار الدولي. جميع الحقوق محفوظة ©2019.